القرطبي

379

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وأنا من المسلمين ) أي من الموحدين المستسلمين بالانقياد والطاعة . قوله تعالى : الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ( 91 ) قيل : هو من قول الله تعالى . وقيل : هو من قول جبريل . وقيل : ميكائيل ، صلوات عليهما ، أو غيرهما من الملائكة [ له ] ( 1 ) صلوات الله عليهم . وقيل : هو من قول فرعون في نفسه ، ولم يكن ثم قول اللسان بل وقع ذلك في قلبه فقال في نفسه ما قال : حيث لم تنفعه الندامة ، ونظيره . " إنما نطعمكم لوجه الله " ( 2 ) [ الانسان : 9 ] أثنى عليهم الرب بما في ضميرهم لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم ، والكلام الحقيقي كلام القلب . قوله تعالى : فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ( 92 ) قوله تعالى : ( فاليوم ننجيك ببدنك ) أي نلقيك على نجوة من الأرض . وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق ، وقالوا : هو أعظم شأنا من ذلك ، فألقاه الله على نجوة من الأرض ، أي مكان مرتفع من البحر حتى شاهدوه . قال أوس بن حجر يصف مطرا : فمن بعقوته كمن بنجوته * والمستكن كمن يمشي بقرواح ( 3 ) وقرأ اليزيدي وابن السميقع " ننحيك " بالحاء من التنحية ، وحكاها علقمة عن ابن مسعود ، أي تكون على ناحية من البحر . قال ابن جريج : فرمي به على ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل ، وكان قصيرا أحمر كأنه ثور . وحكى علقمة عن عبد الله أنه قرأ " بندائك " من النداء . قال أبو بكر الأنباري : وليس بمخالف لهجاء مصحفنا ، إذ سبيله أن يكتب بياء وكاف بعد الدال ، لان الألف تسقط من ندائك في ترتيب خط المصحف كما سقط من الظلمات والسماوات ، فإذا وقع بها الحذف استوى هجاء بدنك وندائك ، على أن هذه القراءة مرغوب عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامة المسلمين ، والقراءة سنة يأخذها آخر عن أول ، وفي معناها نقص عن

--> ( 1 ) من ع وه‍ . ( 2 ) راجع ج 19 ص 125 فما بعد . ( 3 ) العقوة والعقاة : الساحة وما حول الدار والمحلة وجمعها عقاء . والقرواح : الأرض البارزة للشمس .